تمهيد
- 31 مايو
- 4 دقيقة قراءة
تقرير "المنصة- بلاتفورم" الرابع، الذي يستعرض السنة ال 59 للإحتلال، مقدّم من قبل سبع عشرة منظمة إسرائيلية لحقوق الإنسان. تعمل هذه المنظمات، توثّق وتُجري البحوث في إسرائيل والأراضي المحتلة منذ سنوات عديدة، إنطلاقاً من إيمان راسخ بأن حقوق الإنسان هي حقوق عالمية، وأن سياسة الإحتلال - غير القانونية وغير الأخلاقية في حد ذاتها - تؤدي إلى انتهاكات واسعة النطاق لحقوق الإنسان، وانتهاكات لقواعد القانون الإنساني الدولي، وتعميق نظام الفصل العنصري، والتطهير العرقي.
مع اقتراب الإحتلال من عامه ال 60، يلخص التقرير عاماً عصيباً وحافلاً بالعنف، واصلت فيه الحكومة الإسرائيلية وبقوة، انتهاجها سياسة التهجير والضم، منتهكةً بشكل ممنهج حقوق الإنسان للفلسطينيين في غزة والضفة الغربية والقدس الشرقية، ومخالفةً التزامات إسرائيل بموجب القانون الدولي. وفي الوقت نفسه، يستمر التراجع الممنهج عن مبادئ سيادة القانون وكذلك تآكل الحيّز الديمقراطي في إسرائيل.
غزة: في تشرين الأول أكتوبر 2025، دخل اتفاق وقف القتال في غزة حيّز التنفيذ. إذ استمر القتال في غزة لمدة عامين في انتهاك صارخ لقوانين الحرب، لدرجة ارتكاب جرائم حرب، بل وجرائم ضد الإنسانية. رغم الإتفاق وفي مخالفة له، تواصل إسرائيل مهاجمة المراكز السكانية، ما أسفر عن مقتل المئات وإصابة آلاف السكان، وتدمير المباني والبنى التحتية بشكل ممنهج في أراضي القطاع الخاضعة لسيطرتها. كما وتُؤدي القيود الصارمة التي تفرضها إسرائيل على إدخال المساعدات والسلع، إلى جانب تركيز السكان في مساحة تقل عن نصف مساحة القطاع، إلى تفاقم الأزمة الإنسانية المزمنة. حيث يعيش في قطاع غزة نحو مليوني نسمة وسط اكتظاظ شديد وحرمان بالغ وخوف وعدم يقين. بينما ينتظر نحو 18،500 مريض وجريح الإجلاء الطبي، وهو أمر نادر الحدوث. وفي ظل الحرب الإقليمية مع إيران، يبدو أن غزة قد طواها النسيان، ولا يُحرز أي تقدم يُذكر نحو إعادة إعمارها.
الضفة الغربية: بالتوازي، واصلت الحكومة الإسرائيلية بقوة سياستها الرامية إلى ضم الضفة الغربية، خلافاً للقانون الدولي وفي انتهاك جسيم ومنهجي لحقوق الإنسان لدى السكان الفلسطينيين. حيث يُفضي عنف المستوطنين غير المسبوق، المدعوم من قبل مسؤولي الدولة بشكل أكثر وضوحاً ومباشرة من ذي قبل، ويزرع الإرهاب والخوف، إلى تهجير عشرات التجمعات السكانية من أراضيها، مساهماً بذلك في تحقيق حلم السيطرة الدائمة على الضفة الغربية. كما تمنع الدولة في كثير من الأحيان وجود نشطاء حقوق الإنسان، ما يحول دون توثيق الإنتهاكات وتقديم المساعدة السلمية للأهالي. بالتوازي، يُقيّد وصول الفلسطينيين إلى مناطق واسعة من الضفة الغربية، وتُفرض قيود مشددة على حركة سكانها البالغ عددهم 3.4 مليون نسمة. بينما يعاني السكان في مناطق السلطة الفلسطينية من أزمة اقتصادية تتفاقم وتشتد نتيجة السياسات الإسرائيلية المتعمدة.
القدس الشرقية: تُسرّع الحكومة الإسرائيلية وبلدية القدس خطواتهما نحو السيطرة اليهودية على المنطقة، على نطاق لم نشهده منذ عام 1967، الأمر الذي يُعرّض مجتمعات فلسطينية بأكملها لخطر التهجير القسري، من خلال استخدام طيف واسع من الإجراءات القضائية والبيروقراطية، ومصادرة الأراضي لصالح الدولة، والإستيلاء على المنازل ثم نقلها إلى جمعيات المستوطنين، مع التخطيط لمشاريع بناء واسعة النطاق مخصصة لليهود فقط. في الوقت ذاته، تمارس الحكومة والبلدية تمييزاً ممنهجاً ضد مئات الألوف من السكان الفلسطينيين، فيما يخص الحصول على الخدمات والبنى التحتية، إضافة للتجميد شبه الكامل لمشاريع التخطيط والبناء المخصصة لهم، وهدم منازلهم، وفرض القيود المشددة على حركة الأهالي المحاصرين خارج خط التماس.
انتهاك حقوق المحتجزين: لا يزال أكثر من 9،000 محتجز أمني فلسطيني، منهم الأسرى والمعتقلون والمعتقلون الإداريون والمعتقلون بموجب قانون احتجاز المقاتلين غير الشرعيين، بمن فيهم الأطفال، محتجزين في مراكز الإحتجاز الإسرائيلية تحت ظروف غير إنسانية. حيث يعانون من العنف والإكتظاظ والتجويع والإهمال، بما في ذلك الحرمان من الرعاية الطبية.
إسرائيل: إلى جانب سياسة الإحتلال العدوانية، تتبنى إسرائيل ذاتها سياسةً تهدف إلى تقويض وإضعاف آليات فصل السلطات والأنظمة القضائية وإنفاذ القانون، والإضرار بحرية الإعلام والمجتمع المدني. إن النجاح بتشريع فرض عقوبة الإعدام، والتطبيق الإنتقائي للقوانين، ومحاولات الحد من أنشطة المنظمات الإسرائيلية لحقوق الإنسان والناشطين الإسرائيليين، والتضييق على حرية التعبير والإحتجاج، كلّها أمور تُفسد وتدمر المبادئ الديمقراطية، وتُفضي إلى تآكل حيّز المقاومة المدنية ومعارضة الإحتلال.
إن جرائم الإحتلال ومظالمه، في معظمها، لا تخضع للتحقيق الكافي، فتُرتكب أعمال عنف خطيرة دون خوف تحت غياب أي محاسبة لمرتكبيها، سواء كانوا مدنيين أو أفراداً من قوات الأمن. وفي ظل غياب الرد المنظوماتي المنهجي والقاطع، يستمر الإحتلال والعنف من جانب مؤسسات الحكم والعنف المدني المصاحب له، في التصاعد، ليُفاقم معاناة الفلسطينيين وتخريب المجتمع الإسرائيلي. خير مثال على ذلك هو قانون عقوبة الإعدام، الذي أقرته الكنيست بحفاوة بالغة، إذ يُجسد جيداً العقلية العنيفة والإنتقامية، والإستهتار الواضح بقيمة الحياة البشرية.
مع تزايد التطرف في الخطاب العام والسياسي في إسرائيل، يغيب موضوع الإحتلال عن الخطاب الإنتخابي للإنتخابات المقبلة. وذلك رغم تأثيره الحاسم على المجتمع الإسرائيلي، وعلى الرغم من أن حياة وحقوق الفلسطينيين المحرومين من حق التصويت تعتمد على نتائج هذه الإنتخابات. وللبدء بعملية تصحيح، سيتعين على الحكومة المقبلة معالجة انتهاكات إسرائيل لحقوق الإنسان كقضية محورية.
المعلومات الواردة في هذا التقرير ثقيلة وصعبة للقراءة، ولكننا، كمواطنين إسرائيليين، نتحمل واجب إطلاع الرأي العام على حقيقة الأوضاع. ونحن نأمل أن يُشكّل هذا التقرير أداة لتعزيز الحوار والمطالبة بالتغيير، لا سيما في ضوء الإنتخابات المقبلة.
نظراً لضرورة الإيجاز فإنّ التقرير يركز على الإتجاهات الرئيسية ضمن مجالات تخصص المنظمات المشاركة فيه، وهو لا يدّعي تغطية جميع انتهاكات حقوق الإنسان التي ارتكبت من قبل دولة إسرائيل أو نيابةً عنها ضد الفلسطينيين في غزة والضفة الغربية والقدس الشرقية. كما أنه لا يتضمن التحليل الشامل والإستخلاصي، بل يوجه إلى المواد المعمقة التي تنشرها المنظمات المختلفة.
بحكم تعريفه، يتناول التقرير بشكل حصري، انتهاكات حقوق الإنسان المرتبطة مباشرةً بالإحتلال وبالنضال المدني ضده في إسرائيل. أما انتهاكات حقوق الإنسان الأخرى، سواء في إسرائيل أو خارجها، التي ترتكبها دولة إسرائيل أو أي جهة أخرى، فتستحق بالطبع دراسة منفصلة وموسعة في تقارير أخرى.
عند كتابة هذا التقرير، بُذلت كل الجهود لجمع المعلومات والتحقق منها والعمل على تقاطعاتها المختلفة والتوجيه إلى المصادر. وبحسب ما هو معلوم لدينا، فإن المعلومات الواردة في هذا التقرير صحيحة ودقيقة. وإن وُجد خطأ، فهو غير مقصود.

