طرد المجتمعات المحلية والتطهير العرقي
- 25 مايو
- 5 دقيقة قراءة
تعيش في أنحاء الضفة الغربية العديد من تجمعات الرعاة الفلسطينية التي تكسب عيشها المتواضع من رعي المواشي ومن الزراعة. غالبية هذه التجمعات تعيش في أماكنها منذ عشرات السنين، بعد تهجيرها من منطقة النقب عند قيام دولة إسرائيل. في العقد الأخير، وبتصاعد أكبر منذ تشرين الأول أكتوبر 2023، يجري تهجير العائلات والتجمعات السكانية من أماكن عيشها نتيجة العنف الممنهج والمستمر من قبل المستوطنين، غياب الحماية من قبل السلطات الإسرائيلية، وتفعيل آليات بيروقراطية وعسكرية بغية طردها.
حجم ومنهجية الهجمات والمضايقات التي تؤدي إلى عمليات التهجير والطرد، في وتيرة آخذة بالتزايد عاماً بعد عام، إضافة لعدم اتخاذ قوات الأمن إجراءات فعالة لمنعها أو لخلق الظروف التي تسمح للسكان بالعودة إلى منازلهم، ودعم الدولة للبؤر الإستيطانية والمزارع، فضلاً عن التحركات واسعة النطاق للإستيلاء على الأراضي - كل ذلك يشير تراكمياً إلى عملية ممنهجة تصل حد التطهير العرقي والخرق الخطير للقانون الدولي.
طرد المجتمعات المحلية – معطيات وتوجهات
بحسب معطيات منظمة "بتسيلم"، جرى منذ السابع من أكتوبر 2023 وحتى منتصف آذار مارس 2026، طرد 763 عائلة من مكان عيشها، وهي تضم 4،530 نفراً من النساء والرجال والأطفال. تنتمي هذه العائلات التي هُجرت من منازلها ومن مكان عيشها الدائم ومن أراضيها، إلى 59 تجمعاً سكانياً تم طردهم بشكل تام وإلى 16 تجمعاً طُردوا بشكل جزئي، ومن بينها بعض أكبر تجمعات الرعاة في الضفة الغربية.
في الربع الأول من العام 2026، سُجلت زيادة حادة في عدد الإعتداءات وفي مستوى العنف الممارس ضد أفراد التجمعات السكانية، وكذلك في عدد التجمعات التي غادرت منازلها. من تحليل معطيات "بتسيلم"، يتبين أن حوالي 30% من مجمل المهجرين في السنوات الأخيرة قد تم اقتلاعهم من منازلهم في الشهرين والنصف الأولين من العام 2026. فمنذ مطلع كانون الثاني يناير 2026 وحتى 16 آذار مارس، جرى تهجير 15 تجمعاً سكانياً بالكامل وثمانية تجمعات بشكل جزئي، ليكون المجموع الكلي 329 عائلة وفيها 853 طفلاً.
على الرغم من أن غالبية التجمعات تعيش في ذات المكان منذ عشرات السنين، إلاّ أنّ الإدارة المدنية لم توافق أبداً على الإعتراف بوجود معظمها في الحيّز هناك، رافضة إعداد خطط تنظيم لغالبيتها. نتيجة لذلك، يتم تعريف معظم المنازل والمباني العامة وحتى حفر المياه على أنها "بناء غير مرخص" وهي عرضة للهدم والسد من قبل المؤسسات. هذه السياسة الإقصائية قد شكّلت تربة خصبة مريحة لإنشاء البؤر الإستيطانية والمزارع قريباً من التجمعات السكانية، ومنها ينطلق المستوطنون كي يضايقوا ويهاجموا أهالي التجمعات، بل حتى يسدون ميدانياً طرق وصول الأهالي وقطعان ماشيتهم إلى الأراضي الرعوية وإلى مصادر المياه التي استخدموها طوال سنوات عديدة. وفي غياب الإعتراف من جهة والحماية من العنف من الجهة الأخرى، تفسح الدولة المجال للمستوطنين كي يغزوا ويعتدوا ويطردوا أهالي التجمعات من مناطق C، ومؤخراً حتى من مناطق B.
طريقة العمل، تتضمن سلسلة من الوسائل المدمجة بعضها ببعض: تطويق التجمعات السكانية بالبؤر الإستيطانية غير القانونية، وأحياناً حتى بجوار القرية الفلسطينية فعلاً، وممارسة العنف الممنهج والمستمر من قبل المستوطنين، الذي يشمل بحسب التوثيق والشهادات، الإعتداءات الجسدية الصعبة، التحقير والإذلال، التهديدات (خاصة التهديد بالعنف الجنسي، سرقة وإيذاء قطعان الماشية والممتلكات، سد الطريق للأراضي الرعوية ولمصادر المياه والموارد الحيوية، إقتحام المنازل والحضور المهدِّد.
هذا التنكيل يمارس بينما الدولة تغض الطرف عنه بل وأحياناً بمساعدتها الفعلية. وذلك بإصدار وتنفيذ أوامر الهدم بحجة "البناء غير القانوني"، مصادرة الممتلكات، إعلان سريان أمر المناطق العسكرية المغلقة، أو بإلقاء القيود الأخرى على الحركة والتنقل، أو عن طريق قيام الجنود المتواجدين في أحداث العنف بمساندة ممارسات المستوطنين.
في العديد من الحالات، ينفّذ المستوطنون أو عناصر الإدارة المدنية عمليات هدم أو إشعال النيران فوراً بعد التهجير في المنازل والمعدات التي اضطر المهجرون إلى تركها وراءهم. وفي حالات أخرى، يقوم الفلسطينيون أنفسهم بهدم منازلهم أو ممتلكاتهم قبل الفرار.
أمّا الجهات الأمنية التي لم تمنع منذ البداية طرد وتهجير التجمعات السكانية، فلا تبالي بحقها في العودة إلى أماكن عيشها، وتمتنع عن خلق الظروف المطلوبة لعودة السكان الفلسطينيين إلى بيوتهم. فعلى سبيل المثال وضمن الإلتماس المقدم من قبل منظمة "توراة العدل" وممثلي أهالي وادي السيق، للمطالبة بإتاحة العودة الآمنة لأهالي التجمع إلى مكان عيشهم الذي طُردوا منه بعنف شديد في العام 2023، ردت قوات الأمن أنها ستستعد لعودتهم لكنها لم تعطِ أي ضمانة بأنها ستعمل على منع تكرار الإعتداءات من قبل المستوطنين سكان البؤرة الإستيطانية المجاورة، أي نفس المستوطنين الذين كانوا السبب في تهجير أهالي التجمع منذ البداية. لا يزال الإلتماس بهذا الشأن معلقاً على حاله.
رسالة جمعية حقوق المواطن إلى جهات الأمن وإنفاذ القانون في تموز يوليو 2025، والتي تضمنت تفاصيل العشرات من حالات العنف والطرد، لم تحظَ بأي رد. من الواضح أن سياسة العنف وعمليات الطرد حيّة وسارية المفعول، حيث تم طرد المزيد من التجمعات بوتيرة تصاعدية في الأشهر التي انقضت منذ ذلك الحين.
لقراءة المزيد وللمعلومات المحدَثة:
جمعية حقوق المواطن: أوقفوا التطهير العرقي وتهجير التجمعات السكانية الفلسطينية في الضفة الغربية، 16.4.2026
منظمة "ييش دين" ومنظمة أطباء لحقوق الإنسان: تجمعات سكانية مهجّرة وأناس منسيون: الترحيل القسري الإسرائيلي للفلسطينيين في الضفة الغربية
تهجير تجمّع راس عين العوجا – أكبر تجمّع للرعاة في الضفة الغربية
في كانون الثاني يناير 2026 جرى طرد التجمع الرعوي الأكبر في الضفة الغربية والأخير في الأغوار الجنوبية، ألا وهو تجمّع راس عين العوجا. وقد اضطر الأهالي لمغادرة المكان بعد سنوات من تنكيل المستوطنين غير المتوقف والموثّق، ومن ضمنه المضايقات اليومية، إقتحام المناطق السكنية، سرقة المواشي، الإعتداء على الممتلكات ومصادر المياه، سد طرق الوصول وتقليص المساحات الرعوية. عاش في القرية حوالي 150 عائلة، بعضهم كان قد وصل إلى منطقة عين العوجا قبل العام 1967، وبعضهم في سنوات ال 70، قاموا بإستئجار (ضمان) أراضٍ فلسطينية بملكية خاصة واعتاشوا من رعي المواشي ومن الزراعة المحلية. على الرغم من أنهم استأجروا أراضٍ خاصة مسجلة في السجل العقاري الأردني، إلا أن الإدارة المدنية لم تعترف بالتجمّع في مكان إقامته، ولم يتم إعداد أي خطة له، كما لم يتم إنشاء "خط ترسيم" من شأنه أن يعرّف حدوده ويعزز مكانته على أرض الواقع. بينما البؤر الإستيطانية التي أقيمت في المنطقة على مدار السنوات، فسيطرت على الأراضي الرعوية وعلى مصادر المياه، مسببة الأذى المتواصل لمصادر معيشة السكان الفلسطينيين ولروتين حياتهم. في العام 2024 زاد الوضع سوءاً، عندما أقيمت البؤرة الإستيطانية "روعيم" على مسافة مئات الأمتار المعدودة من التجمّع. أصبحت المضايقات والإعتداءات زاد يومهم من المعاناة، لكن بقيت التوجهات إلى الشرطة بدون رد.
في آذار مارس 2025، إلتمس ستة من سكان التجمّع إلى المحكمة العليا، مطالبين بالحصول على حماية الدولة أمام التعديات اليومية. بعد التأجيلات المتكررة، وبعد أن اضطر الأهالي للنزوح عن بيوتهم، أمرت المحكمة في شباط فبراير 2026، كل من الجيش والشرطة والإدارة المدنية، بمساعدة الأهالي كي يعودوا للعيش في المكان، وضمان أمنهم. أقرت المحكمة مؤخراً أن على الجيش التبليغ حتى 19.5.2026، بالخطوات التي اتخذت بغية إتاحة عودة السكان إلى أراضيهم. عند كتابة هذا التقرير، لم يكن قد تم استلام أي تحديث من الدولة بهذا الملف، ولا يوجد معلومات حول أي خطوات تم اتخاذها.
لقراءة المزيد:
منظمة "بتسيلم": راس عين العوجا، الأغوار الجنوبية: قامت إسرائيل بتهجير التجمع الرعوي الأكبر في الضفة الغربية بواسطة عنف المستوطنين ودعم الدولة، 26.1.2026
جمعية "بمكوم" – التخطيط وحقوق الإنسان: منطقة الدفاع الوظيفي لراس عين العوجا

