الأزمة الإنسانية والقيود على إدخال المساعدات والبضائع
- 28 مايو
- 5 دقيقة قراءة
تسيطر إسرائيل سيطرة تامة على حركة الناس والبضائع إلى داخل قطاع غزة منذ عقود عديدة. منع دخول الغذاء والدواء والوقود والبضائع إلى قطاع غزة وقت الحرب، كان عاملاً مركزياً في حصول الأزمة الإنسانية غير المسبوقة وفي تجويع السكان. كذلك اليوم، ترتبط قدرة السكان على البقاء وبشكل مباشر بفتح المعابر أمام مرور الأغذية والسلع الحيوية. إنّ القيود التي تفرضها إسرائيل على إدخال المساعدات الإنسانية ومعدات إعادة إعمار القطاع، وعلى المنظمات الإنسانية العاملة فيه، تجذّر الأزمة ولا تتيح التعافي.
وفعلاً ضمن إطار تطبيق اتفاق وقف القتال بين إسرائيل وحماس، قد جرى تسجيل تحسّن في كمية السلع التي يتم إدخالها إلى القطاع. إلاّ أن غالبية تصاريح إدخال السلع يعطيها الجيش للقطاع الخاص. هكذا ورغم دخول البضائع وبدل هبوط الأسعار، ما زال الغذاء المتاح في الأسواق المحلية يتجاوز قدرة العديد من المواطنات والمواطنين على تحصيله، نتيجة الفقر الشديد والبطالة المستشرية. نظراً لذلك، تبقى الغالبية الساحقة من الجمهور في غزة مرتبطة بالمساعدات الإنسانية. على الرغم من ادعاءات الجيش بأنه يصادق على طلبات إدخال المساعدات تبعاً للتوجيهات، إلاّ أن الأمم المتحدة ومنظمات المساعدة تجد صعوبة في توفير الحاجيات الأساسية للسكان المحتاجين، جرّاء القيود المتشددة جداً التي تفرضها إسرائيل على نوع السلع، والقيود على كميات ووتيرة دخول شاحنات المساعدات إلى القطاع. بالإضافة لذلك، هناك صعوبة لوجستية في الوصول بالوتيرة المطلوبة إلى المجتمعات المعزولة بسبب دمار شبكة الشوارع، خاصة عندما يكون الطقس عاصفاً.
منذ اندلاع الحرب، تعمل إسرائيل منهجياً على المس بالمنظومة الإحترافية العريقة لسنوات عديدة الخاصة بتقديم المساعدات الإنسانية في غزة (وفي الضفة الغربية) من قبل مؤسسات ومنظمات دولية مختصة. وذلك عبر وضع العقبات البيروقراطية وغيرها، إلغاء تأشيرات الدخول لموظفين دوليين ومنع دخول موظفين آخرين. في الأشهر الأخيرة وبواسطة إقرار آلية تسجيل تتضمن مطالب غير معقولة تمس استقلالية وحيادية هذه المنظمات، ألغت إسرائيل تصاريح عمل العشرات من المنظمات، خاصة تلك التي عملت في القطاع لسنوات طويلة وفعّلت منظومات حيوية لتقديم المساعدات على نطاق واسع بما يتلاءم مع المعايير الدولية. أثناء المداولة في آذار مارس 2026 في الإلتماسات المقدمة بهذا الخصوص، أبقى قضاة المحكمة العليا آلية التسجيل على حالها.
نقص الأمن الغذائي - معطيات
بحسب تقرير الأمم المتحدة من نيسان أبريل 2026، هناك حوالي 1.6 مليون إنسان يشكّلون 77% من سكان القطاع، يعانون مستويات مختلفة من قلة الأمن الغذائي، فيما أكثر من 500 ألف منهم موجودون بحالة طوارئ غذائية. كما أنه يوجد نقص مزمن في غاز الطهي، بسبب القيود على إدخاله إلى القطاع وبسبب ثمنه الباهظ. بحسب استطلاع لمنظمة الغذاء العالمية WFP)) من آذار مارس 2026، هناك 48% من العائلات يضطرون لحرق النفايات بغية الطهي. في كانون الثاني يناير 2026 وعندما أتاح ذلك إدخال المساعدات عن طريق المعابر الحدودية، وفرت WFP وشركاؤها المساعدات ل 1،661،496 من النساء والرجال والأطفال - إما عن طريق الرزم الغذائية وأكياس الدقيق والوجبات الساخنة، أو عن طريق منحة مالية مقدارها 1،250 شيكل للعائلة الواحدة. في الأشهر التي تلته، طرأ هبوط في التوزيع بسبب صعوبات إدخال الغذاء إلى القطاع، لكن تم تسجيل بعض الإنتعاش في نيسان أبريل.
قيود على إدخال المساعدات الإنسانية وتوزيعها
في بداية الحرب مع إيران نهاية شباط فبراير 2026، أعلنت إسرائيل عن إغلاقها كافة المعابر إلى غزة أمام حركة الناس والبضائع، وذلك خلافاً لإتفاق وقف القتال. من بين المعابر التي أُغلقت – معبر كرم أبو سالم لإدخال البضائع، والذي من خلاله يتم إدخال معظم المساعدات، ومعبر رفح، الذي فقط قبل وقت قصير عاد للعمل بإطار مقلّص، بعد أن بقي مغلقاً منذ الإستيلاء عليه من قبل إسرائيل في أيار مايو 2024. لقد أدى إغلاق المعابر لإرتفاع حاد في الأسعار داخل الأسواق ولنقص شبه فوري بالسلع الغذائية والسلع الأساسية الأخرى. لاحقاً، أدى فتح المعابر الجزئي إلى أن يدخل لغزة في بداية آذار مارس 2026 فقط 63 شاحنة مساعدات في اليوم، مقابل 230 شاحنة مساعدات في المعدل اليومي بالشهر الذي سبقه – هبوط بنحو 70%. في نيسان أبريل 2026، طرأ بعض التحسن من ناحية وتيرة وكمية الشاحنات التي سُمح لها بالدخول، وكذلك جرى فتح معبر زيكيم، الأمر الذي يسهّل الوصول إلى المجتمعات الفلسطينية شمال القطاع.
بغض النظر عن التقلبات في فتح وإغلاق المعابر، وخلافاً لإتفاق وقف القتال، ما زالت إسرائيل تمنع بشكل متتالٍ إدخال آلاف السلع الحيوية الضرورية للخدمات الصحية والمياه والصرف الصحي. كذلك الأمر بالنسبة لإحتياجات البناء وإعادة الإعمار، حيث تعرّف تلك السلع على أنها معدات "ثنائية الإستخدام" قد تُستخدم لنشاطات إرهابية أيضاً، أو لأنها بحسب تعريفها لا تندرج ضمن تعريف "المساعدات الإنسانية". فعلى سبيل المثال، جاء بتقرير الأمم المتحدة أنه في بداية آذار مارس 2026، لم يتم السماح بإدخال أجهزة الأولتراساوند وحاضنات الرضّع ومعدات أخرى ضرورية جداً لأقسام الوالدات داخل مستشفيات غزة.
أمّا الدمار الذي لحق ب 77% من الشوارع والطرقات في القطاع أثناء الحرب فيسبب مشكلة من حيث الوصول إلى المساعدات داخل القطاع نفسه. بدون شوارع يمكن المرور بها، تعلق الأغذية وسلع أخرى في المعابر ثم تفسد، بينما يعاني السكان في شمال ووسط القطاع من النقص الحاد في التغذية. وفي ظل عدم إعطاء إسرائيل الإذن بإدخال المواد والمعدات الميكانيكية بغية إعادة تأهيل الشوارع وتعبيدها، تقوم هيئات المساعدات الإنسانية بتركيز جهودها على حلول مؤقتة وعلى إيجاد طرق التفافية، والتي تسبب خسارة الوقت والموارد الثمينة.
إنّ قدرة المواطنات والمواطنين على البقاء وتحسين أوضاعهم، ومستقبلاً إعادة إعمار القطاع أيضاً، مرهونة بفتح المعابر وإزالة القيود الهائلة على إدخال المعدات والمواد الضرورية لإصلاح البنى التحتية، رفع الركام وإعادة تأهيل المباني. وطالما تقوم إسرائيل بوضع العراقيل وتصعّب إدخال المساعدات والبضائع فهي تواصل إلحاق الأذى بالسكان المدنيين في غزة، وذلك خلافاً لواجبها الدولي وخلافاً لإتفاق وقف القتال.
لقراءة المزيد:
منظمة "غيشاه": ضرورية لكنها ممنوعة: السياسة الإسرائيلية بخصوص إدخال بضائع "ثنائية الإستخدام" إلى غزة، 17.3.2026
منظمة "غيشاه": حرب إسرائيل على الكهرباء في غزة مستمرة، 19.4.2026
ما زالت الكهرباء مقطوعة عن غزة
بتاريخ 7 تشرين الأول أكتوبر 2023 وكجزء من رد إسرائيل على هجوم حماس، قررت الحكومة إيقافها التام لإمداد قطاع غزة بالتيار الكهربائي المباشر، وكذلك إيقاف إدخال الوقود بغية تشغيل محطة التوليد. منذ ذلك الوقت، يجري إنتاج الكهرباء داخل حدود القطاع بواسطة محولات كهربائية محلية وألواح شمسية فقط، إلاّ أن العديد منها قد دُمّر في الهجمات الإسرائيلية.
بحسب تقديرات شركة الكهرباء في غزة من أيلول سبتمبر 2025، فإنّ 70% من البنى التحتية لتوزيع الكهرباء التي تملكها قد دُمر بشكل تام، هذا إلى جانب الضرر الواسع الذي لحق بغالبية مباني شركة الكهرباء، بالأدوات والمركبات والمخازن لديها. بحسب معطيات الشركة، تم تدمير أكثر من 5،000 كم من شبكة الكهرباء وأكثر من 2،200 محوّل كهرباء.
صحيح حتى نيسان أبريل 2026، ما زالت إسرائيل تواصل قطعها إمدادات الكهرباء عبر الخطوط التي كانت تعمل عشية الحرب، ما عدا وصلة واحدة مربوطة بمنشأة تحلية المياه. كما أنه يُحظر إدخال الوقود بغية تشغيل محطة غزة لتوليد الكهرباء. هذا ناهيك عن أنّ القيود الشديدة التي تفرضها إسرائيل على دخول السلع "ثنائية الإستخدام" إلى قطاع غزة، تسري على المحولات الكهربائية والألواح الشمسية وقطع الغيار لإصلاحها.
في ظل انعدام الكهرباء، تعمل المستشفيات وفق جدول زمني مخفّض على الرغم من الإحتياجات الملحة، فالمجاري لا تتم معالجتها، وتبقى الإمكانيات شحيحة لحفظ الأغذية والأدوية المنقذة للحياة داخل التبريد. المنظومة الصحية بأكملها متعلقة اليوم بعدد محدود من المحولات الكهربائية. كما ويتأتى عن شح الكهرباء المزيد والعديد من التأثيرات الأخرى، سواء مباشرة أو غير مباشرة، من حيث قدرة عموم السكان على البقاء والعيش بكرامة وإعادة تأهيل حياتهم. من هنا، يقع على إسرائيل واجب العمل على إصلاح الخطوط وإعادة تأهيل البنى التحتية الخاصة بالكهرباء، كذلك إتاحة إدخال المحولات الكهربائية وقطع الغيار، والإعادة الفورية لإمدادات الكهرباء عبر الخطوط.
لقراءة المزيد:
منظمة "غيشاه": حرب إسرائيل على كهرباء غزة مستمرة، 19.4.2026
التدمير المستمر للمواقع التراثية
القيود على إدخال المواد والمعدات، وانعدام القدرة على الوصول بسبب الوضع الأمني وكثرة المقذوفات على الأرض، لا يتيحان إعادة إعمار الأصول الثقافية ومواقع التراث في قطاع غزة. بحسب التقرير المحدَّث لليونسكو من آذار مارس 2026، فإن 164 من الأصول الثقافية والتراثية في القطاع قد تم تدميرها أو تضررت، ومنها مواقع دينية، مواقع أثرية، مساجد وكنائس، جامعات، مبانٍ تاريخية، أرشيفات ومتاحف. وذلك خلافاً للقانون الدولي الذي يحظر التدمير المتعمد والمنهجي للمواقع الأثرية والمباني التاريخية والمؤسسات الثقافية والدينية، وقت القتال أيضاً. ومن دون إعادة الإعمار الفورية تدعيم وتثبيت بقايا المباني، يبقى اليوم قسم كبير من هذه المواقع المتضررة عرضة للمزيد من الإصابات وإلحاق الضرر.

