الخط الأصفر
- 29 مايو
- 3 دقيقة قراءة
ممارسات إسرائيل في المنطقة التي أبقتها تحت سيطرتها، مؤقتاً، في إطار اتفاق وقف القتال، وكذلك تعاملها مع المواطنين الغزيين المتجمعين الآن في القسم الآخر من القطاع، هي استمرارية مباشرة لسياستها أثناء الحرب: قتل، طرد وتدمير منهجي من جهة، وترسيخ للحضور داخل المنطقة التي بقيت بيد إسرائيل من الجهة الأخرى. تتلاءم هذه السياسة مع رؤيا التطهير العرقي وتجديد الإستيطان اليهودي في غزة التي عبّر عنها وزراء وأعضاء كنيست مراراً وتكراراً، أيضاً منذ دخول الإتفاق حيّز التنفيذ.
إنّ الخط المرسوم المسمى "الخط الأصفر"، يفصل بين المنطقة التي انسحبت إليها القوات الإسرائيلية عقب اتفاق وقف القتال وبين المنطقة التي أُبقيت للفلسطينيين سكان القطاع. هذا الإتفاق، الذي يحكى أنه ترتيب مؤقت فقط، يبقي بيد الجيش الإسرائيلي سيطرة على حوالي 58% من مساحة القطاع، مع حشر حوالي 2.1 مليون من سكان غزة في منطقة يقل حجمها عن نصف المساحة التي عاشوا فيها قبل الحرب. عند تطبيقه، أدى تقسيم القطاع إلى إعادة تهجير العديد من العائلات، وإلى إطلاق النار وقتل مئات الفلسطينيين، وكذلك ترسيخ فعلي لخط حدودي جديد، يطوّق سكان القطاع من كل الجهات.
عندما تم نشر خريطة الخط الأصفر في تشرين الأول أكتوبر 2025، جرى تحذير السكان من الإقتراب من الخط أو من الإجتياز لمناطق تتواجد فيها القوات الإسرائيلية. إلا أنه من الخارطة التي نشرها الجيش لم يكن بالإمكان فهم أين يمر الخط بالضبط، والذي لم يتم في البداية رسمه على الأرض بتاتاً، ولم يعرف السكان بشكل مؤكد إلى أين يمكنهم الوصول بأمان. بالتوازي، تسمح تعليمات الجيش بخصوص إطلاق النار في منطقة الخط الأصفر، بإطلاق النيران الحيّة بغية القتل، على كل من يجتاز الخط، حتى لو لم يشكّل تهديداً حقيقياً وفورياً للقوات. وفعلاً، تعرّض مئات المواطنين ومنهم النساء والأطفال أيضاً، لإطلاق النار قريباً من الخط أو وراءه، خاصة في الأيام والأسابيع الأولى، لكن أيضاً في الأشهر التي مضت منذ ذلك الوقت. على سبيل المثال، بتاريخ 29 تشرين الثاني نوفمبر 2025، جرى التبليغ عن مقتل طفلين يبلغان 10 و 12 سنة من مسيّرة إسرائيلية أثناء قيامهما بجمع الأخشاب للتدفئة قريباً من الخط الأصفر.
بحسب تقارير إعلامية تعتمد على تحليل صور الأقمار الإصطناعية، وُضعت في بعض المواقع مكعبات الإسمنت الصفراء لرسم الخط داخل المنطقة التي أُبقيت بيد الفلسطينيين، وليس على الخط الأصفر نفسه، وبذلك تم فعلياً تكبير المساحة الواقعة تحت سيطرة إسرائيل. في أماكن مختلفة سبق ووضعت فيها مكعبات الإسمنت الصفراء جرى تحريكها مرة أخرى إلى داخل المنطقة الفلسطينية، بحيث تغيرت العلامات على الأرض وفُرض على العديد من النازحين إخلاء آخر نحو الجهة الأخرى من الخط قبل رسمه الجديد.
نظراً لكون 42% فقط من مجموع مساحة القطاع يُسمح للسكان التحرك فيها، فإنّ وصول غالبية السكان إلى بيوتهم وأراضيهم مسدود أمامهم، ويُضطرون لمواصلة العيش في مخيمات النازحين، داخل خيم ومبانٍ مدمرة. بالإضافة لذلك، غالبية المساحات الزراعية في قطاع غزة تقع شرقي الخط الأصفر، داخل المنطقة الخاضعة لسيطرة إسرائيل. إنّ الإستمرار في منع وصول المزارعين إلى أراضيهم يحول دون إمكانية إعادة تأهيل مصادر الغذاء الحيوية وتقليل الإعتماد على المساعدات الخارجية. كما أن منظومة المساعدات الإنسانية التي تتعلق بها الغالبية الساحقة من سكان غزة، متأثرة من مسار الخط الأصفر، حيث أن كل تحرك لموظفي المنظمات أو أي نقل للأغذية والبضائع يتطلب التنسيق مع السلطات الإسرائيلية والحصول على موافقتها، خاصة وصول المنظمات إلى المعابر الحدودية، التي تقع كلّها في المنطقة الخاضعة لسيطرة إسرائيل.
كما ذكر من قبل فإنّه بحسب الإتفاق وخطة إنهاء القتال، من المفروض أن يكون الخط الأصفر مؤقتاً. لكن ومنذ بدء تطبيق الإتفاق يقوم الجيش بترسيخ تواجده في المنطقة من خلال هدم آلاف المباني والبنى التحتية، وبناء المواقع الإضافية على الأرض وإقامة ساتر ترابي على طول الخط. بحسب تقرير من آذار مارس 2026, يغطي هذا الساتر 17 كيلومتراً – حوالي 40% من طول الخط برمّته. هذه الأفعال التي تتماشى مع تصريحات رئيس الأركان عن "خط حدودي جديد" وتصريحات وزير الأمن وأعضاء من الإئتلاف الحكومي عن التطلعات للإستيطان شمال غزة، تدل على أن الحكومة الإسرائيلية ترى أمامها فرصة لتعزيز قبضتها داخل القطاع وليس خطوة نحو حل سياسي بعيد الأمد.
عملية وضع العلامات على الأرض لا تعفي الجيش من واجباته وفق أحكام القتال الخاصة بإستخدام القوة، ومن واجبه الإيفاء بقواعد القانون الدولي التي تلزمه بحماية المدنيين بغض النظر عن مكان تواجدهم والإمتناع دائماً عن إلحاق الأذى المتعمد بهم.
لقراءة المزيد:
منظمة "غيشاه": "الخط الأصفر": حوالي 58% من مساحة القطاع ما زالت تحت السيطرة المباشرة لإسرائيل، تشرين الثاني نوفمبر 2025
لشهادة بالفيديو:
منظمة "بتسيلم": "الخط الأصفر" في قطاع غزة – قتل وتهجير متكرر، كانون أول ديسمبر 2025

